ضحايا سجون الانتقالي السرية.. شهادة من داخل السجن

15 يونيو 2026آخر تحديث :
ضحايا سجون الانتقالي السرية.. شهادة من داخل السجن

منصة أبناء عدن:

– لم يكن “محمد عبد القوي صالح الحميقاني” سوى شاب بسيط من أبناء مديرية الزاهر بمحافظة البيضاء. ولم يكن سياسياً ولا قائداً عسكرياً، ولم يعرف عنه سوى حسن الخلق وحفظ القرآن الكريم والسعي خلف لقمة العيش على متن قاطرته.

– خرج إلى عدن نهاية 2015م بحثاً عن الرزق، حاملاً معه أحلاماً بسيطة كبقية الشباب؛ أن يبني مستقبله، ويتزوج، ويعين أسرته، ويُفرح والدته التي لم يبق لها من أبنائها سواه بعد أن فقدت أبناءها الآخرين. لكن تلك الرحلة كانت الأخيرة.

– اختفى محمد في جولة الكراع بمديرية دار سعد، بعد إنزاله من قاطرته البيضاء موديل 99 “إف أتش” من قبل مجموعة مسلحة واقتادته إلى جهة مجهولة، لتنقطع أخباره تماماً، وتبدأ والدته رحلة طويلة من الانتظار والبحث والسؤال دون أن تحصل على إجابة واحدة تطمئن قلبها.

– بعد سنوات، خرج أحد المعتقلين السابقين ليروي لـ “منصة أبناء عدن” ما شاهده بعينيه داخل أحد السجون الذي يشرف عليها شلال شائع شخصياً.

– يقول الشاهد إنه التقى بمحمد الحميقاني داخل سجن معسكر طارق خلف إدارة أمن عدن بخور مكسر عام 2016م. كان محمد شاباً هادئاً ومنزوياً على نفسه، يقضي معظم وقته في قراءة القرآن وكتابة الأشعار والخواطر على جدران الزنزانة. لم يكن كثير الكلام، لكن أكثر ما كان يتحدث عنه هو أمه، وكان يتمنى رؤيتها ولو لمرة واحدة، ويؤنبه ضميره دائماً لأنه بعيد عنها.

– وبحسب الشهادة، تعرض محمد لأبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي على يد مدير السجن أبو أحمد الضالعي حينها، قبل أن يُقتل الضالعي على يد أحد أفراده، ويتولى مروان الضالعي الملقب بـ”الضبحان” إدارة السجن.

– كان يُسحب محمد ليلاً من زنزانته ويُعاد قبيل الفجر بعد ساعات طويلة من الضرب والتعذيب والإهانة. كان يتعرض للحرق بالسجائر والولاعات، وللتعذيب بأدوات وأسلاك كهربائية، ونزع لحم ظهره بالكلبة حتى أصبحت آثار التعذيب تغطي جسده.

– وخلال تلك الجلسات كان يصرخ قائلاً: “لماذا تفعلون بي هذا؟ أنا رجل أبحث عن رزقي وأعيل أسرتي.”

– ومع مرور الوقت، بدأت حالته النفسية والعقلية تتدهور بشكل مخيف. فقد محمد اتزانه العقلي تدريجياً حتى وصل إلى مرحلة لم يعد يدرك فيها ما يدور حوله. وأصبح يتبول ويتبرز على نفسه داخل الزنزانة من شدة ما تعرض له من تعذيب وضغوط نفسية قاسية.

– بعد ذلك تم نقله إلى زنزانة ضيقة للغاية كان المعتقلون يطلقون عليها اسم “الضغاطة” وهي عبارة عن مخزن للسلاح، وهي غرفة لا تتجاوز بضعة أمتار، بلا تهوية، وبلا إضاءة، أشبه بقبر مغلق أكثر من أنها مكاناً لاحتجاز البشر.

– يقول الشاهد إنه عوقب ذات مرة بنقله إلى تلك الزنزانة نفسها، حيث كان محمد محتجزاً بداخلها. ويصف المشهد بأنه كان مأساوياً إلى حد يصعب وصفه؛ وكان محمد قد فقد عقله بالكامل، ولم يعد يميز شيئاً من حوله، وكان يتبول ويتبرز داخل الزنزانة نفسها لعدم وجود دورة مياه، ولشدة الظلام لم يكن يدرك أين يقف أو إلى أي اتجاه يتحرك.

– كان المعتقلون يسمعون صوته وهو يتعرض للضرب، ويسمعونه يصرخ: “يا الله… يا منتقم انتقم.” حتى جاء اليوم الذي خفت فيه صوته تماماً.

– مرض محمد داخل تلك الزنزانة، وازدادت معاناته يوماً بعد آخر، قبل أن يفارق الحياة وحيداً بعيداً عن أهله وأمه التي كانت تنتظر عودته.

– ويؤكد الشاهد أنه بعد وفاته حضرت سيارة إسعاف تابعة للمعسكر، بأوامر من مدير السجن المدعو مروان الضالعي الملقب بـ”الضبحان”، ونُقل جثمانه إلى جهة مجهولة. وظن المعتقلون حينها أن الجثمان سيُسلم إلى أسرته، لكن ذلك لم يحدث.

– وحتى اليوم، ما تزال الأسرة تبحث عن مصير ولدها، وما تزال والدته لا تعلم أين مصير ابنها الوحيد، ولا أين انتهت رحلة العذاب التي بدأت باختطافه وانتهت بوفاته داخل زنزانة مظلمة.

– رحم الله محمد عبد القوي صالح الحميقاني، وجعل ما تعرض له من تعذيب في السجن، شفيعاً له يوم القيامة، وألهم أهله الصبر والسلوان. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

#منصة_أبناء_عدن

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة